الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
32
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والراسيات : الثابتات في الأرض التي لا تنزل من فوق أثافيها لتداول الطبخ فيها صباح مساء . وجملة اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً مقول قول محذوف ، أي قلنا : اعملوا يا آل داود ، ومفعول اعْمَلُوا محذوف دل عليه قوله : شُكْراً . وتقديره : اعملوا صالحا ، كما تقدم آنفا ، عملا لشكر اللّه تعالى ، فانتصب شُكْراً على المفعول لأجله . والخطاب لسليمان وآله . وذيل بقوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ فهو من تمام المقول ، وفيه حثّ على الاهتمام بالعمل الصالح . ويجوز أن يكون هذا التذييل كلاما جديدا جاء في القرآن ، أي قلنا ذلك لآل داود فعمل منهم قليل ولم يعمل كثير وكان سليمان من أول الفئة القليلة . و الشَّكُورُ : الكثير الشكر . وإذ كان العمل شكرا أفاد أن العاملين قليل . [ 14 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 14 ] فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) تفريع على قوله : وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ إلى قوله : وَقُدُورٍ راسِياتٍ [ سبأ : 12 ، 13 ] أي دام عملهم له حتى مات فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ إلى آخره . ولا شك أن ذلك لم يطل وقته لأن مثله في عظمة ملكه لا بد أن يفتقده أتباعه ، فجملة ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إلخ جواب « لمّا قضينا عليه الموت » . وضمير دَلَّهُمْ يعود إلى معلوم من المقام ، أي أهل بلاطه . والدلالة : الإشعار بأمر خفيّ . وتقدم ذلك عند قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ [ سبأ : 7 ] . و دَابَّةُ الْأَرْضِ هي الأرضة ( بفتحات ثلاث ) وهي السّرفة بضم السين وسكون الراء وفتح الفاء لا محالة وهاء تأنيث : سوس ينخر الخشب . فالمراد من الأرض مصدر أرضت السّرفة الخشب من باب ضرب ، وقد سخر اللّه لمنساة سليمان كثيرا من السرف فتعجّل لها النخر . وجملة فَلَمَّا خَرَّ مفرعة على جملة ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ . وجملة تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ جواب « لمّا خرّ » . والمنساة بكسر الميم وفتحها وبهمزة بعد السين ، وتخفّف الهمزة فتصير